محمد محمد أبو ليلة
59
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
ثانيا : تكون " الآية " ، بمعنى " العلامة " ، كما في قوله تعالى : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ( المؤمنون : 50 ) ، جعلناهما " آية " لأن مريم حملت ، دون أن يمسسها بشر ولم تك بغيّا ، وعيسى ولد من غير منىّ رجل ، ولم يكن هذا في ولد البتّة . والآية في خلق عيسى على هذا النحو ، ليكون دالا على قدرة اللّه تعالى ، وتصريفه وتنويعه في الخلق ، لا ليكون برهانا على ألوهية عيسى أو ربوبية أمه ؛ لأن الميلاد ، والموت ، والتحول ، والانتقال من حال إلى حال ، ومن طور إلى طور ، ومن وقت إلى وقت ، والتغذى ، والتداوي ، والانفعال ، والأمل ، واليأس ، كلها أمارات على الحدوث ، ودلائل على الخلق والضعف ؛ فعيسى وأمه بشرين ممن خلق اللّه ، بأمارة الصفات البشرية ، التي جرت عليهما ؛ يقولون " افعله بآية كذا " أي بعلامة كذا أو أمارته ؛ وهي من الأسماء المضافة إلى الأفعال ، كقول الشاعر : بآية تقدمون الخيل شعثا * كأن على سنابكها مداما عرفنا من هذا أن " الآية " تطلق ويراد منها " الوحدة " أو " الجزء من السورة " وسميت " آية " لأنها علامة ، وأمارة على صدق من أتى بها ، وعلى عجز المتحدى بها ، وعلى تميزها ؛ كما أن فيها دليلا ، على سلامة القرآن من التحريف ، والتبديل ، والزيادة ، والنقصان ، وأن لفظة " آية " أيضا تطلق على " المعجزة " و " العبرة " و " المثل " ، كما أوضحناه من قبل . وينبغي أن يكون واضحا في أذهاننا ، أن السورة من القرآن ، تتألف من عدد معين من الآيات ، وأن عدد الآيات ، وحدودها ، معروف من طريق الشرع ، لا من طريق الاجتهاد ، ولا مجال للرأي ، ولا للقياس في ذلك ؛ قاله علي بن أحمد الواحدي ( ت : 468 ه / 1075 م ) ومحمود بن عمر الزمخشري ( ت : 538 ه / 1143 م ) وناصر الدين بن المنير ( ت : 363 ه / 1149 م ) ، جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أن الفاتحة سبع آيات ، وسورة الملك ثلاثون آية ، وصح أنه قرأ العشر آيات الأخيرة من سورة آل عمران ، وأضاف أن تقدير الآي ، من المفصل في القرآن الكريم ، ومن الآيات طويل وقصير ، وصدق اللّه تعالى إذ يقول : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) ( فصلت : 3 ) ؛ فتفصيل الآيات بمقاديرها ، هو من عمل اللّه تعالى ، لا من عمل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو غيره ، ومعنى " فصّل " ، أي حدد وبين أحد